شكّلت الانتخابات البلدية في لبنان محطة مفصلية أعادت تسليط الضوء على واقع الحكم المحلي المأزوم. فقد جرت الانتخابات في ظل بيئة مضطربة سياسيًا واجتماعيًا، ووسط أزمة مالية تضرب مختلف مفاصل الدولة، ما جعل من هذا الاستحقاق انعكاسًا لصراع موازين القوى بين مجموعات سياسية تقليدية وآخرى ناشئة. ففي طرابلس، كغيرها من المدن والقرى، لم تكن الانتخابات محطة ديمقراطية لإطلاق مسار تنموي أو مأسسة المشاركة المحلية. بل تحوّلت إلى ساحة اختبار سياسي للقوى النافذة، ومحطة تموضع للتحضير للاستحقاق النيابي المقبل. وبدلًا من التنافس حول رؤى وخطط بلدية واضحة، طغى على المشهد صراع على النفوذ، تخللته تحالفات ظرفية هشّة افتقرت إلى أي مضمون برامجي، فحضرت المناكفات وغابت الخطط وقد بدات الانقسامات بالظهور قبل فتح صناديق الاقتراع، من خلال الخلافات حول رئاسة المجلس وتقاسم مواقع النفوذ، ما أنذر مبكرًا بتكرار سيناريو الشلل والفوضى الإدارية الذي عايشته المدينة في المجالس السابقة. إذ لم يُترجم التوازن العددي الهش (12 مقعدًا للائحة "رؤية طرابلس" مقابل 11 مقعدًا ل"نسيج" بالإضافة إلى مقعد ل "حراس المدينة") إلى شراكة فعلية داخل المجلس. بل سرعان ما تصاعدت حدة المواجهة بين الطرفين، وبلغت ذروتها في جلسة انتخاب الرئيس ونائبه، حيث تفوقت معادلات القوى السياسية التقليدية على منطق التوافق.
إلا أنّه ونتيجة مفاوضات مضنية بين الأطراف المنتخبة، تشكّلت وثيقة "خارطة طريق للمجلس البلدي المنتخب خلال 100 يوم". وقد تم التوافق عليها على مرحلتين، لكنها لم تكتسب طابعًا توافقيًا فعليًا إلا تحت ضغط تهديد الاستقالة الجماعية ل12 عضوًا، ما كان سيؤدي عمليًا إلى حل المجلس والدخول في فراغ بلدي جديد. كما لعب تدخل المرجعيات السياسية والروحية، لا سيما دار الفتوى وبعض القيادات النافذة، دورًا حاسمًا في بلورة هذا الاتفاق، كوسيلة لتظهير مشهد "توافقي" شكلي يحول دون تكرار حالة الشلل التي ميزت أداء المجلس السابق.
محاور الوثيقة
تقدّم الوثيقة خارطة طريق تعاقدية أعدّها أعضاء المجلس البلدي منتخب في طرابلس، استجابةً لدعوة مفتي طرابلس والشمال، وحرصًا على تأطير عمل بلدي جماعي يخدم المدينة وأهلها. تتأسس الوثيقة على جملة من المبادئ التي تعبّر عن التزام سياسي وأخلاقي من المجلس الجديد بتجديد الثقة بين المواطن والبلدية، خلال ال100 يوم الأولى من عمر المجلس البلدي. ترتكز الوثيقة على ستة محاور رئيسية تبدأ أولاً بالتأكيد على استقلالية القرار لبلدي، من خلال الناي بالمجلس عن المصالح الخاصة والتدخلات السياسية، وثانيا بتعزيز الشفافية والمساءلة من خلال وضع لوائح مفصلة بأملاك البلدية، التراخيص، العقود، لموجودات، والموازنات، في متناول أعضاء المجلس، إلى جانب الالتزام بتكليف شركة تدقيق مالي مستقلة. أما المحور الثالث فيركز على التواصل مع الرأي العام، عبر إنشاء وحدة تواصل، وغيرها من الآليات، في حين يتناول المحور الرابع تطوير الكادر الإداري وشرطة البلدية عبر تحديث التوصيفات الوظيفية، ضبط الدوام، بناء القدرات، وتنظيم عمل الشرطة البلدية. تُبرز الوثيقة في المحورين الخامس والسادس أهمية التوزيع العادل للأدوار وتفعيل اللجان وتمثيل البلدية في اتحاد بلديات الفيحاء.
قراءة نقدية للوثيقة
مع التأكيد على أهمية المبادئ التي أرستها وثيقة "خارطة طريق للمجلس البلدي المنتخب خلال ١٠٠ يوم"، لا بدّ من الإقرار بأن هذه الوثيقة، رغم رمزيتها السياسية والتوافقية، لا ترقى إلى مستوى "خارطة طريق تنموية" بالمعنى الاستراتيجي والتخطيطي للكلمة. فهي أقرب إلى ميثاق سلوكي وتعهد أخلاقي بين أعضاء المجلس منها إلى خطة عمل واضحة تتضمن رؤية متكاملة وأهدافًا مرحلية قابلة للقياس. إذ تفترض الوثيقة وجود مناخ مؤاتٍ للعمل وتناغم مؤسساتي ما زال بعيد المنال. والأهم أنها تنطلق من مجموعة من الافتراضات غير المعلنة، التي لم تُعالج صراحة أو ضمنًا، ما يستوجب التوقف عندها وتفكيكها.
في بندها الأول، لا تُقدِّم الوثيقة خطة أو تصورًا، بل اقتصرت على مطالب موجهة إلى السلطة التنفيذية - أي رئيس البلدية - تدعوه إلى عرض لوائح العقود، والتراخيص، والجردات، وأسماء الموظفين على المجلس. هذا ليس تخطيطًا بلديًا، بل محاولة لاحتواء أزمة ثقة ظهرت منذ اللحظة الأولى، عبر فرض الحد الأدنى من المشاركة في القرار. من الناحية المؤسسية، هذا البند اقرب إلى محاولة انتزاع التزام بعدم الانفراد بالمعلومات والقرارات، من دون ان يقدّم اليات تشاركية واضحة او بنية مؤسسية تضمن تقاسم السلطة التنفيذية ضمن إطار متوازن.
أما ما تطرحه الوثيقة في محورها الثاني حول "استقلالية القرارات البلدية"، فرغم وجاهة المبدأ، فإنه ينطوي ضمناً على اعتراف بواقع التبعية السياسية الذي قد يطغى على القرار البلدي. فلولا هذا الخطر لما كان هذا البند ضرورياً من الأساس. إلا أن الوثيقة، للأسف، تكتفي بإعلان المبدأ دون تقديم أي آليات للتحقق أو ضمانات للرصد، ودون تحديد من هي الجهة التي تراقب وتحاسب. فالقرارات اليومية، والموافقات على الأعمال، والمشتريات، والتوظيف، وسائر الصلاحيات التنفيذية لا تزال منوطة بالرئيس. وبالتالي، يبقى السؤال الجوهري: ما هي ضمانة المجلس والمواطنين بأن هذه القرارات لن تكون موضع نفوذ أو مصالح سياسية؟ وآين هي أدوات التحقق والرقابة الداخلية؟ وكيف سيتم التعامل بها ومعها.
وفي المحور المرتبط بالشفافية، تفترض الوثيقة أن مجرد عرض لبيانات والمعلومات على المجلس يكفي لتحقيق الشفافية، في حين أن هذه مجرد خطوة أولى. الشفافية الحقيقية لا تكتمل إلا من خلال إتاحة هذه المعلومات للراي العام، عبر نشرها للمواطنين والمجتمع المدني ووسائل الإعلام. كما تتحدث الوثيقة عن نية "إصلاح العقود والتراخيص"، دون توضيح للآلية أو المعايير أو الأطر الزمنية التي ستُعتمد. وأمام تعقيد ملفات الفساد والمحسوبيات السابقة، يبقى المطلوب واضحًا: ربط عملية التدقيق المالي، التي وعدت بها الوثيقة، بتقييم مؤسسي شامل لأداء البلدية وتقييم برامجي، عبر مقاربة تقيس ليس فقط الجوانب المالية، بل أيضًا جدوى المشاريع ومخرجات ونتائج النشاط البلدي على المستوى الاجتماعي والتنموي والخدماتي.
أما محور "تعزيز التواصل مع الرأي العام"، فتُعد هذه النقطة من أكثر البنود تقدمًا على المستوى الإجرائي، إلا أنه يبقى ناقصًا في غياب رؤية مرافقة له. فالتفاعل مع المواطنين لا يكون فقط بفتح خط ساخن أو عقد جلسات استماع، بل من خلال دمجهم فعليًا في صياغة السياسات والخطط. فجلسات الاستماع لا كتسب معناها إلا إذا كانت جزءًا من آلية تشاركية في التخطيط: ومخرجاتها قابلة للترجمة ضمن خطة إنمائية أو مشاريع قابلة للتنفيذ. وهذا ما لا تزال الوثيقة تفتقر إليه. المطلوب اليوم هو الانتقال من "حق الاستماع" إلى "حق المشاركة" في صناعة القرار.
وفي ما يخص محور تطوير الكادر الإداري وتنظيم شرطة بلدية، فهو بند ضروري وطموح، إلا ان نجاحه مرهون بوجود آليات قياس ومتابعة للأداء. ومن المفيد التذكير هنا بأن ثمة أدوات تطويرية قائمة مثل النظام الذي وضعه مكتب وزير الدولة لشؤون التنمية الإدارية، والذي يمكن البناء عليه لتطوير نموذج خاص بمدينة طرابلس يُسهم في تحسين الكفاءة وتعزيز المساءلة
نصل إلى المحورين المرتبطين بتفعيل اللجان داخل المجلس وتقاسم الأدوار بين اللائحتين الأساسيتين. فعلى الرغم من أنهما يظهران وكأنهما تجسيد لتعددية ديمقراطية، إلا أنهما في جوهرهما يعكسان تسوية سياسية فرضتها موازين القوى وتدخلات المرجعيات، لا ترجمة لرؤية تنموية تشاركية. والخشية هنا أن تتحول خارطة الطريق إلى مجرد وثيقة لتوزيع النفوذ، بدل أن تكون مدخلا لوضع أسس شراكة إنمائية فعلية. فالتوافق لا يمكن أن يكون بديلاً عن غياب البرنامج، ولا يمكن للتقاسم السياسي أن يغني عن غياب التخطيط.
وعليه، يبدو أن التعهد أو الميثاق يشكّل إطارًا مؤقتًا يُفترض فيه توفير شروط نجاح خارطة تبحث عن طريقها، لا خارطة تسير وفق خطة مرسومة. ولعل البند الثالث المتعلق بالتواصل مع المواطنين هو المدخل الأكثر قابلية للتحوّل إلى منصة لصياغة هذه الطريق - إن أحسن تفعيله. فالرؤية يجب أن تُبنى بالشراكة، والبرنامج لا يصاغ خلف الأبواب المغلقة.
الخلاصة
تشكّل الوثيقة، بهذه الصيغة، دعوة غير مباشرة إلى المواطنين والناشطين لتحمّل مسؤولية المتابعة والضغط، وتحويل ال100 يوم الأولى من تنفيذ تعهدات إجرائية داخلية إلى 100 يوم من بناء مشروع بلدي تشاركي. فهنا تتحول وثيقة "خارطة الطريق" من ميثاق نوايا إلى فرصة تأسيسية لرسم خطة تنموية بلدية تطلق من حاجات الناس الفعلية، تُبنى على بيانات موثّقة، تُخضع لرقابة مدنية فاعلة، وتُكرّس ثقافة المساءلة والشفافية كركيزة جوهرية في العمل البلدي.
ما هو مطروح اليوم ليس فقط مراقبة تنفيذ التعهدات، بل مواكبتها بالضغط والتنظيم والتقييم، بما يُفضي إلى تطوير خطة تنموية تستحقها المدينة، وتنبع من قاعدتها المجتمعية لا من توازنات ظرفية داخل المجلس. ولعلّ هذه اللحظة تشكل الاختبار الحقيقي للبلدية والمجتمع معا.
فهل تتحوّل ال 100 يوم المقبلة إلى فترة ومساحة لترميم الثقة بين البلدية والمواطن؟ أم تظل مجرّد هدنة داخل مجلس معلّق على تناقضاته، تُرحَّل خلالها الأزمات إلى أجل غير مسمّى؟
الإجابة ستتوقف على أداء المجلس، ويقظة المجتمع، واستعداد المجلس لتحويل الازمة إلى فرصة.