بدأ استخدام مصطلح "العقد الاجتماعي" في بعض النقاشات والدراسات في لبنان بكثرة، غالبًا بوصفه مرادفًا للدستور، أو باعتباره صيغةً مُحدَّثة من الميثاق، أي اتفاق جديد بين زعماء الطوائف على إدارة الحكم. غير أن هذا الاستخدام الفضفاض يُفرغ المفهوم من مضمونه، ويُخفي الفارق الجوهري بين أدوات قانونية ونخبويّة، وبين ما يشكّل فعلًا أساس الشرعية السياسية والعلاقة التي يُفترض أن تربط المجتمع بالدولة.
وفق المقاربة التحليلية التي طوّرها ماركوس لوِه وزملاؤه في المعهد الألماني للتنمية والاستدامة، لا يُختزل العقد الاجتماعي في نصٍ قانوني أو إعلان سياسي، بل يُفهم بوصفه مجمل الترتيبات الصريحة والضمنية التي تنشأ بين "السلطة" (أي الدولة أو من يمسك فعليًا بمفاصلها) وبين المجموعات الاجتماعية المختلفة. هذه الترتيبات تحدّد، في جوهرها، الحقوق والواجبات، بل تُنظّم توزيع المخاطر، وإدارة موارد العيش، وتحديد من ينال ماذا ولماذا، وعلى أي أساس اجتماعي وسياسي.
بهذا المعنى، فإن العقد الاجتماعي ليس وثيقة مكتوبة، بل تفاهم حيّ وغير معلن يقوم على تبادل واضح: حماية، وخدمات، وفرص من جهة، مقابل الامتثال، والمشاركة، ومنح الشرعية من جهة أخرى. انطلاقًا من ذلك، يصبح التمييز ضروريًا بين العقد الاجتماعي والدستور. فالدستور، بوصفه إطارًا قانونيًا–مؤسساتيًا، ينظّم السلطة ويحدّد آليات ممارستها، أما العقد الاجتماعي، بوصفه «صفقة مجتمع»، فيمنح هذه السلطة القبول والشرعية، أو يسحبها منها. وبالقدر نفسه، لا يمكن مساواة العقد الاجتماعي بما يُعرف بالميثاق اللبناني. فالـميثاق ليس تعبيرًا عن تفاهم مجتمعي شامل، بل هو تسوية غير معلنة بين النخب السياسية والطائفية لتقاسم الحكم والموارد، مقرونة بمنظومة حماية متبادلة من المحاسبة. وهو لا ينظّم علاقة السلطة بالمجتمع، بل يُدير توازنات بين قوى مهيمنة داخل المجتمع نفسه، عبر شبكات زبائنية وريعية أعادت إنتاج الولاء بوصفه بديلًا عن المواطنة، والانتفاع بوصفه بديلًا عن الحق.
بين تنظيم السلطة عبر الدستور، وإدارة التوازنات النخبوية-الطائفية عبر الميثاق من جهة، وبين العقد الاجتماعي الذي يفترض شراكة، ولو غير متكافئة، بين المجتمع والدولة من جهة أخرى، تكمن فجوة عميقة حاول النظام اللبناني، على مدى عقود، طمسها أو الالتفاف عليها. وهذا ما يعكس مشكلة أعمق: لبنان حُكم طويلًا من دون عقد اجتماعي فعلي، معتمدًا بدلًا من ذلك على نصوص دستورية مُفرغة من مضمونها، وعلى تفاهمات نخبويّة غير خاضعة لموافقة الناس أو لمساءلتهم أعادت تنظيم المجتمع لا بوصفه جماعة مواطنين، بل بوصفه مجموعات اجتماعية ريعية متجاورة، لكل منها قنواتها الخاصة للحماية والانتفاع.
وقد يستند العقد الاجتماعي إلى الدستور أو يسبقه سياسيًا كرؤية مجتمعية جامعة، لكنه لا يُختزل به. فهو لا يُقاس إلاّ بقدرته على إنتاج شرعية عادلة، وامتثال طوعي، وتضامن اجتماعي، وقدرة فعلية للدولة على تقديم المنافع العامة خارج منطق الوساطة والريع. ومن هنا، فإن فهم هذا التمييز ليس مسألة نظرية، بل شرط أساسي لفهم لماذا فشلت لحظات الانفجار السياسي، وعلى رأسها انتفاضة تشرين 2019، في إرساء عقد اجتماعي جديد.
إذا كانت مقاربة لوِه "تشخيصية" (تفكيك ثم إعادة تركيب صفقة الحقوق/الواجبات والمؤسسات)، فإن ما تسمّيه بعض أدبيات 17 تشرين بـ"المجتمع النقيض" يميل إلى منطق مختلف: بناء فضاء اجتماعي أفقي خارج قنوات الزبائنية والريع، من خلال شبكات تضامن بديلة أو رديفة من نقابات، مبادرات محلية، إعلام مستقل، وغيره ، كشرطٍ مسبق قبل أي "تفاوض" مع الدولة/المنظومة. وتقوم الفكرة أساساً على إدراك أن التفاوض على عقد جديد يبقى مستحيلًا ما دامت أدوات القوة (الإعلام، المال السياسي، القانون الانتخابي) لا تُعيد إنتاج السلطة فحسب، بل تُعيد إنتاج مجتمعات ريعية ترى في أي تقاطع أفقي تهديدًا مباشرًا لشروط بقائها.
من هنا، يمكن اعتبار انتفاضة 17 تشرين 2019 لحظة ما قبل تعاقدية بامتياز. فهي لم تكن لحظة إصلاحية تسعى إلى تحسين شروط الصفقة القائمة، بل لحظة سحب جماعي لشرعية النظام. لم يطالب الناس بتعديل النظام، بل أعلنوا انهياره الرمزي. فشعارات من قبيل «كلّن يعني كلّن» لم تكن مجرد تعبير عن غضب عابر، بل شكّلت رفضًا صريحًا للاعتراف بالمنظومة الحاكمة كطرف صالح للتفاوض أو كشريك في أي تسوية جديدة. غير أن هذه اللحظة، على وضوحها الأخلاقي واتساعها الشعبي، لم تُنتج عقدًا اجتماعيًا جديدًا. فقد اصطدمت بما يمكن تسميته "هندسة البقاء" التي أتقنتها المنظومة: أي قدرتها على تفريغ لحظات التقاطع العابر للطوائف من مضمونها السياسي، وإعادة إدخالها في قنوات التعبئة الطائفية والريعية. وقد لعبت الانتخابات البرلمانية والبلدية دورًا محوريًا في ذلك، إذ قُدّمت كوعود تغيير بلا ممكنات فعلية، وبلا حماية للمجال العام من سطوة المال السياسي والإعلام المُسيّس.
يمكن، في هذا الإطار، تحديد ثلاثة أسباب بنيوية مترابطة حالت دون تحوّل انتفاضة تشرين إلى لحظة إعادة تعاقد. أولًا، عبّرت الانتفاضة بقوة عن الرفض، وقدّمت في أيامها الأولى بذرة عقد اجتماعي بديل، تجلّت في مشهد نادر من التقاطع الأفقي العابر للطوائف حول مطالب المحاسبة، والكرامة، ودولة القانون. لكنها لم تنجح في تحويل هذا الرفض إلى توقّعات قابلة للفرض. فالانتقال من الاحتجاج إلى العقد يتطلّب تنظيمًا، وائتلافًا اجتماعيًا واسعًا، وقنوات تمثيل وتفاوض - وهي عناصر لم تُستكمل، لا بسبب ضعف أخلاقي، بل بسبب غياب تعاقد داخلي يُحوّل الالتزام الرمزي إلى قدرة سياسية.
ثانيًا، واجهت الانتفاضة نظامًا لا تتركّز فيه السلطة في دولة واحدة يمكن محاسبتها أو التفاوض معها، بل في شبكة معقّدة من أحزاب طائفية، ومصالح مالية، ومؤسسات موازية تستند إلى قواعد اجتماعية ريعية ترى في إعادة التعاقد تهديدًا مباشرًا لشروط حمايتها الاقتصادية والاجتماعية. فبدل الانخراط في إعادة تفاوض، مارست المنظومة التسويف والتعطيل، وأمسكت بمسارات الشرعية عبر ثلاث بوابات: قمع التقاطع الأفقي، وإعادة إنتاج النظام عبر الانتخابات، وتطبيع الخطاب عبر الإعلام السائد.
أولى هذه البوابات كانت قمع التقاطع الأفقي: فكل مبادرة تسعى الى إنتاج «جمهور» سياسي قائم على المصالح والحقوق المشتركة، لا "رعايا" موزّعين طائفيًا، كانت تُواجَه بإحدى آليات الاحتواء المعروفة من شيطنة منظّميها، إلى تفكيكها من الداخل، أو نقلها قسرًا إلى ساحات الهوية والانقسام الأهلي. بهذا المعنى، لم يكن الهدف إسكات الاعتراض بقدر ما كان منع تحوّله إلى كتلة اجتماعية قابلة للتسييس والتفاوض. وثانيها بوابة الانتخابات وقانونها. فرغم أن انتخابات 2022 حملت اختراقًا محدودًا، فإن بيئة اللعبة السياسية، من قانون انتخابي مفصّل، إلى زبائنية متجذّرة، ومال سياسي كثيف، وتعبئة هوياتية، قلّصت القدرة على تحويل هذا الاختراق إلى مسار تأسيسي. وقد وثّقت تقارير أممية متعددة اختلالات بنيوية في المناخ السياسي، والتمويل، وإدارة العملية الانتخابية. ولم يختلف المشهد كثيرًا في الانتخابات البلدية عام 2025، التي رُوّج لها بوصفها "بروفة" لانتخابات 2026، إذ أظهرت النتائج في العديد من المناطق قدرة تحالفات سياسية من أحزاب متخاصمة ظاهريًا على حماية حضورها، فيما بقيت اللوائح الإصلاحية هامشية من حيث التمثيل الفعلي.
أما البوابة الثالثة فكانت بوابة الإعلام. إذ اعتمد جزء كبير من الإعلام السائد استراتيجية "التنفيس" بوصفها أداة إدارة للغضب العام: فتح مساحات محدودة للاعتراض من دون السماح له بأن يتحوّل إلى قوة سياسية منظّمة أو خطاب مساءلة متماسك. وفي لحظات الحسم، عاد هذا الإعلام إلى إعادة إنتاج شرعية النظام، عبر مقابلات متكررة مع سياسيين متورطين في الفساد أو شركاء مباشرين في الانهيار المالي، جرى تقديمهم كـ "خبراء" أو "أطراف رأي". وقد أشارت دراسات عديدة حول ملكية الإعلام في لبنان إلى درجة عالية من الارتباط السياسي، حيث إن الغالبية الساحقة من المؤسسات الإعلامية على صلة مباشرة أو غير مباشرة بالسلطة والأحزاب، ما يفسّر كيف يُعاد هندسة المجال العام باتجاه الاستقطاب بدل المحاسبة.
ثالثًا، جاء الانهيار المالي ليقفل ما تبقّى من نافذة تعاقدية. فالانهيار لم يكن مجرد أزمة اقتصادية، بل لحظة تفكك شامل لأسس الثقة: تبخّرت الودائع، انهارت العملة، وتحوّلت الخسائر إلى عبء اجتماعي جرى تحميله للناس فردًا فردًا، فيما بقيت المسؤوليات من دون مساءلة. ومع انتقال المجتمع من أفق التغيير إلى منطق البقاء، تراجعت القدرة على الاستثمار السياسي طويل الأمد، وتعزّز الاعتماد على شبكات الحماية الطائفية والعائلية والخارجية. وبدل أن يشكّل الانهيار فرصة لإعادة طرح السؤال التعاقدي، من يدفع الخسائر، وعلى أي أساس، استُخدم كأداة إضافية لتفكيك المجتمع، واستنزافه، وإعادة إدخاله في دائرة الخضوع.
في هذا السياق، ومع انسداد المدخل الدستوري والانتخابي، برزت مسارات بديلة، في الحقوق الاجتماعية، وإعادة توزيع الخسائر، والمؤسسات البديلة، بوصفها محاولات لتجميع القوة خارج منطق الريع. لكنها، مهما بلغت أهميتها، تبقى مهدّدة بالتفريغ طالما تُخاض كمسارات متوازية لا يربطها عقد اجتماعي داخلي جامع. يبدو من خلال تتبُع الأحداث أنّ هناك ثلاثة مسارات (وليس حلولًا سحرية) بدأت تُشكّل مساحات اختبار يمكن أن تتراكم لتصنع توازن قوة يسمح بعقد اجتماعي فعلي:
مسار “الحقوق الاجتماعية” كمدخل عملي: من المنفعة الى الحق
تظهلا ملامح انتقال بطيء، وغير مكتمل، من انتهاج منهج المساعدات الظرفية إلى بذور نظام حماية اجتماعية. فعلى سبيل المثال، فبالاضافة إلى جهود توسيع برنامج أمان (AMAN) لدعم عشرات آلاف من المواطنين خارج الحسابات الطائفية، تظهر هناك ملامح أكثر بنيوية، منها مبادرة رقمنة سجلات الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي بدعم من منظمة العمل الدولية تُقدَّم كرافعة لإصلاح تقاعد/معاشات أكثر قابلية للحَوْكمة والشفافية. والدلالة هنا ليست تقنية، بل سياسة، فعندما تصبح “المنفعة“حقًا قابلًا للتتبع” بدل أن تكون “مكرمة وسيط”، يبدأ جزء من العقد الاجتماعي بالتكوّن خارج منطق الزعيم-الخدمة.
مسار “إعادة توزيع الخسائر” وكسر حصانة المال
تُعتبر الجهود المبذولة، رغم التعطيل المستمر منذ ست سنوات، لوضح حدّ للانهيار المالي هو ساحة العقد الاجتماعي بامتياز، إذ تسعى إلى تحديد المسؤولية ومساءلتهم كما تحجيج من يدفع الفاتورة. وقد تكللت الجهود في 2025 الى إقرار البرلمان قانونًا مُعدَّلًا للسرية المصرفية ضمن متطلبات إصلاحية أوسع، بما يتيح، ولو نظريًا، الى توسيع إمكانات التدقيق والمحاسب. كما تقدّمت الحكومة بمشروع قانون لتوزيع “الفجوة المالية” الناتجة عن الانهيار في كامون الأول 2025، وسط جدل واسع حول حماية المودعين ومن يتحمّل الخسائر. بالتوازي، تظهر قراءات نقدية ترى أن بعض الصيغ قد تتحول إلى “تسوية للبنوك تُدفَع مجتمعيًا” إذا لم تُقرن بمحاسبة وإصلاح هيكلي حقيقي.
مسار "المؤسسات البديلة" التي تتجاوز الطوائف
في ظل انسداد الأفق السياسي، وتواطؤ أو امتثال المؤسسات السائدة (من نقابات وإعلام وغيرها) مع الأمر الواقع، برزت المؤسسات البديلة، من نقابات ومهن حرّة وإعلام مستقل، بوصفها الامتداد الأكثر استمرارية للحظة 17 تشرين 2019، مُحافظة على المساحات القليلة التي التزمت بروحية 17 تشرين بوصفها فعلًا جماعيًا عابرًا للطوائف، قائمًا على المحاسبة والتمثيل والكرامة، لا على الزبائنية والولاء. انتخابات نقابة المهندسين، على سبيل المثال، لم تكن مجرد استحقاق مهني، بل محاولة لترجمة التقاطع الأفقي الذي شهدته الساحات إلى موقع مؤسسي، يختبر إمكانية ممارسة السياسة خارج القسمة الطائفية. ورغم أن هذه التجربة لم تصمد طويلًا أمام ضغوط الاستقطاب الحزبي والانقسامات الداخلية، فإنها كشفت أن ما أنتجته تشرين لم يكن عابرًا، بل قابلًا للتراكم متى توفّرت له أدوات التنظيم والاستدامة. وفي المقابل، أظهرت انتخابات نقابة المحامين في بيروت كيف استعادت المنظومة قدرتها على التقاط هذه المؤسسات وتحويلها مجددًا إلى امتداد للصراع السياسي التقليدي، بما يوضح أن البدائل ليست محصّنة بطبيعتها، بل هي ساحات صراع مفتوحة.
أما الإعلام المستقل، فقد شكّل المسار الأكثر وضوحًا في الحفاظ على الذاكرة السياسية لانتفاضة تشرين وتطويرها. فمنصات إعلامية رقمية وتحقيقية وُلدت أو توسّعت بعد 2019 نجحت في تحويل الغضب الشعبي إلى معرفة عامة: ربطت الشعارات بالوقائع، والاتهامات بالملفات، والانهيار بالمسؤوليات المحددة. بهذا المعنى، لم يكتفِ هذا الإعلام بتغطية تشرين، بل حوّلها إلى مرجعية سياسية مستمرة، تُستعاد في كل ملف فساد، وكل استحقاق انتخابي، وكل محاولة تبييض للمنظومة. وفي المقابل، لعب الإعلام السائد دورًا معاكسًا: سمح بـ«تنفيس» الاعتراض، لكنه عمل، في لحظات الحسم، على إعادة إنتاج شرعية النظام عبر استضافة وجوه متورطة في الفساد أو شركاء مباشرين في الانهيار المالي. هنا، تتجاوز المواجهة البعد الإعلامي لتصبح صراعًا على طبيعة المجال العام نفسه: بين إعلام يسعى إلى بناء جمهور مواطني أفقي يستكمل ما بدأته تشرين ويُساهم في بلورة عقد جديد، وإعلام يعمل على إعادة تفكيك هذا الجمهور وإرجاعه إلى حالة الرعايا الموزّعين داخل النظام القائم.
ما يتبيّن في نهاية هذا المسار ليس فقط أن العقد الاجتماعي في لبنان لم يولد بعد، بل أن كل الجهود القائمة اليوم مهدّدة بالتمييع والتفريغ ما لم تُسند بعقد اجتماعي يُنجَز داخل المجتمع نفسه أولًا. فالمبادرات الإصلاحية، والحقوقية، والمؤسسات البديلة التي راكمت على لحظة 17 تشرين، ستبقى عرضة للاحتواء طالما تواجه النظام كقوى متفرقة، غير متعاقدة فيما بينها. المشكلة هنا لا تكمن فقط في شراسة المنظومة، بل في حقيقة أكثر إرباكًا: أن المجتمع اللبناني نفسه لم يحسم بعد علاقته بذاته. من دون اتفاق بين اللبنانيين على معنى المواطنة، وعلى حدود المصالح المشروعة، وعلى ما يُعتَبر حقًا لا منّة، تبقى المشاركة طاقة سائبة، والتفاوض فعلًا ضعيفًا، والمواجهة غير متكافئة سلفًا.
من هنا، لا يمكن الانتقال مباشرة إلى عقد اجتماعي مع الدولة من دون عقد اجتماعي بديل يسبقها، يقوم على ثلاث مستويات مترابطة. المستوى الأول، عقد داخلي بين المجموعات الاجتماعية التي تمسّكت بروحية 17 تشرين، لتوحيد قواعد الفعل والمشاركة، والخروج من منطق الرمزية إلى منطق التنظيم والقدرة. المستوى الثاني، عقد بَيني مع الفئات الاجتماعية المنخرطة في البُنى الريعية والطائفية، لا بهدف استرضائها أو إدانتها، بل لإعادة تعريف المصالح المشتركة على أساس المواطنة، وفتح مسارات اختراق داخل هذه البُنى بدل تركها حكرًا على الزعامات. عندها فقط، يصبح ممكنًا الانتقال إلى المستوى الثالث: التعاقد مع النظام السياسي من موقع قوة اجتماعية متماسكة، قادرة على فرض عقد جديد يعيد بناء العلاقة بين الدولة والمواطن على أسس الحماية، والتقديم، والمشاركة، لا على الريع والولاء.
السؤال الذي يُفترض أن يبقى مفتوحًا هنا ليس متى نواجه النظام، بل هل نملك الجرأة والقدرة على التعاقد فيما بيننا أولًا، بما يكفي لجعل تلك المواجهة ممكنة أصلًا؟