عاد مصطلح «العقد الاجتماعي» ليُطرح على طاولات النقاش حول الوضع اللبناني في السنوات الأخيرة، خصوصًا بعد الانهيار المالي وانتفاضة 17 تشرين 2019. غير أن هذا الحضور المتزايد لا يعكس بالضرورة وضوحًا في المعنى، بقدر ما يكشف التباسًا بنيويًا في المقاربة. فغالبًا ما يُستخدم المفهوم كمرادف للدستور، أو كصيغة مُحدَّثة من الميثاق، أي كاتفاق جديد بين زعماء الطوائف على إدارة الحكم. لكن هذا الاستخدام يُفرغ العقد الاجتماعي من جوهره، ويُحوّله من سؤال شرعية مجتمعية إلى أداة إعادة ترتيب نخبوي.
لا يُختزل العقد الاجتماعي في نص قانوني أو إعلان سياسي، بل يُفهم بوصفه صفقة غير مكتوبة تنشأ بين السلطة والمجتمع، وتحدّد توزيع الحقوق والواجبات والمخاطر وموارد العيش. هو، في جوهره، العلاقة التي تجعل الامتثال ممكنًا والشرعية قابلة للاستمرار. من هنا، يصبح التمييز ضروريًا بين الدستور بوصفه إطارًا قانونيًا ينظّم ممارسة السلطة، وبين العقد الاجتماعي بوصفه الأساس الذي يمنح هذه السلطة القبول أو يسحبه منها. وبالمثل، لا يمكن مساواة العقد الاجتماعي بالميثاق اللبناني، الذي لم يكن يومًا تعبيرًا عن توافق مجتمعي، بل تسوية غير معلنة بين نخب طائفية لإدارة الريع وتقاسم الحصص والحماية من المحاسبة.
تكمن أزمة لبنان العميقة في أنه حُكم طويلًا من دون عقد اجتماعي فعلي. فالنظام القائم لم يبنِ شرعيته على مواطنة متساوية، بل على إعادة تنظيم المجتمع في مجموعات ريعية وطائفية متجاورة، لكل منها قنواتها الخاصة للحماية والانتفاع. في هذا السياق، لم تُطرح الدولة كفضاء حقوق، بل كغنيمة تُدار عبر الوساطة والولاء. وهذا ما يفسّر لماذا تحوّلت لحظات الانفجار السياسي، وعلى رأسها انتفاضة تشرين، إلى لحظات سحب للشرعية من دون أن تنجح في إنتاج بديل تعاقدي مستقر.
يمكن النظر إلى 17 تشرين بوصفها لحظة ما قبل تعاقدية بامتياز. فهي لم تكن حركة إصلاحية لتحسين شروط الصفقة القائمة، بل إعلانًا جماعيًا لانهيارها الرمزي. غير أن هذه اللحظة اصطدمت بما يمكن تسميته «هندسة البقاء» التي أتقنتها المنظومة الحاكمة: تفكيك أي تقاطع أفقي عابر للطوائف، وإعادة إدخاله في قنوات التعبئة الطائفية أو الوعود الانتخابية الشكلية، أو استنزافه عبر إعلام يُنفّس الغضب من دون تحويله إلى قوة مساءلة منظّمة. ومع الانهيار المالي، انتقل المجتمع من أفق التغيير إلى منطق البقاء، وتعزّز الارتهان لشبكات الحماية الريعية، بدل تحويل الأزمة إلى لحظة مساءلة حول من يدفع الخسائر وعلى أي أساس.
ومع انسداد المدخل الدستوري والانتخابي، برزت مسارات بديلة: في الحقوق الاجتماعية، وفي محاولات كسر حصانة المال، وفي المؤسسات والنقابات والإعلام المستقل. إلا أن هذه المسارات، على أهميتها، تبقى مهدّدة بالاحتواء طالما تُخاض كجهود متوازية لا يجمعها عقد اجتماعي داخلي واضح. فالمشكلة لم تعد فقط في شراسة النظام، بل في حقيقة أكثر إرباكًا: أن المجتمع اللبناني نفسه لم يحسم بعد علاقته بذاته. أي أنه لم يُنجز بعد تعاقده الداخلي بين المجموعات التي خرجت من لحظة 17 تشرين ولم تُوحِّد رؤيتها وأدواتها، ولا تعاقده البَيني مع الفئات الاجتماعية الأخرى المنخرطة في البُنى الريعية والطائفية لإعادة تعريف المصالح والحقوق خارج منطق الزبائنية، قبل أن يكون قادرًا على الانتقال إلى التعاقد الثالث مع النظام السياسي نفسه. من دون هذا التدرّج، من التعاقد داخل المجتمع، إلى التعاقد بين مكوّناته، وصولًا إلى التفاوض مع السلطة، تبقى المواجهة مع النظام فعلا غير متكافئ، وتبقى كل مسارات التغيير عرضة للاستنزاف أو الاحتواء.
من هنا، يبرز التحدّي الحقيقي: لا يمكن الانتقال مباشرة إلى عقد اجتماعي مع الدولة من دون عقد اجتماعي بديل يُنجَز داخل المجتمع نفسه أولًا. عقد يعيد تعريف المواطنة خارج الريع، ويُعيد ترتيب العلاقة بين الفئات الاجتماعية على أساس الحقوق لا الامتيازات، ويخلق أرضية تفاوضية صلبة قبل أي مواجهة مع النظام السياسي. السؤال المفتوح، إذًا، ليس متى نطالب بعقد اجتماعي جديد، بل: هل نملك القدرة والجرأة على التعاقد فيما بيننا أولًا، بما يكفي لجعل هذا المطلب قابلًا للتحقّق؟