هل نحن أمام لحظة تغيير حقيقي؟

تشكيل الحكومة اللبنانية لم يكن يومًا مهمة سهلة، لكنه هذه المرة يعكس صراعًا بين نهجين متباينين: الأول متمسك بمعادلات الماضي القائمة على المحاصصة والتعطيل، وهو نهج توافقت عليه قوى المعارضة والموالاة في معادلة العهد السابق؛ والثاني، على الرغم من كونه أقلية سياسية، يحظى بحاضنة شعبية كبيرة ويسعى إلى فرض توازنات جديدة تعيد الاعتبار لمؤسسات الدولة.

نواف سلام، الذي جاء من خارج النادي السياسي التقليدي، يواجه تحديًا مزدوجًا: كيف يفرض نفسه كرئيس حكومة قوي دون أن يتحول إلى شخصية صدامية غير قادرة على الحكم؟ وكيف يحقق تغييرًا ملموسًا دون أن تسقط حكومته في أول اختبار سياسي؟

إن نجاح سلام يتطلب دوزنة دقيقة بين أربع صفات رئيسية اكتسبها خلال مسيرته الفكرية والمهنية: براغماتية الدبلوماسي، حزم القاضي، تبصّر المثقف، وواقعية المخضرم. فهو بحاجة إلى براغماتية رجل الدولة الذي يدرك توازنات القوى ويعرف متى يفاوض ومتى يتصلّب، وحزم القاضي الذي لا يسمح بتمييعه أو إخضاعه لمنطق الصفقات، ورؤية المثقف الذي يقرأ التحولات الإقليمية والدولية بعمق، وواقعية المخضرم الذي يفهم أن التغيير في لبنان لا يتم بالقطيعة الكاملة، بل عبر التراكم التدريجي. ولعلّ هذا النهج السياسي يمكّنه من تقديم تجربة قابلة للتبنّي من قبل قوى التغيير، على اختلاف مشاربها، لتطوير مشروع سياسي يواجه الاستبلشمنت بفاعلية.

الكباش مع الاستبلشمنت: توازن دقيق بين الواقعية والتغيير

منذ عام 2008، تحولت الحكومات اللبنانية إلى مجالس وزارية أشبه بالبرلمانات المصغرة، حيث يخضع رئيس الحكومة لإرادة القوى السياسية التي تفرض حصصها وتعطل أي محاولة للإصلاح. سلام أدرك منذ البداية أن معركته لن تكون فقط في اختيار وزراء تكنوقراط، بل في كسر معادلة الحكومات "التوافقية المعطِلة"، وإعادة ضبط العلاقة بين السلطتين التنفيذية والتشريعية، بحيث تستعيد الحكومة دورها كصانعة للقرار، لا كساحة نزاع بين الفرقاء السياسيين.

لكن هذه المقاربة واجهت مقاومة شرسة من الاستبلشمنت، التي سعت للحفاظ على قدرتها في تعطيل أي قرار لا يتناسب مع مصالحها. وهنا، احتاج سلام إلى حزم القاضي الذي لا يقبل تكريس أعراف غير دستورية مثل الثلث المعطل أو الحق الحصري لطائفة بحقيبة معينة، وبراغماتية الدبلوماسي الذي يدرك أن بعض التنازلات التكتيكية ضرورية لضمان استمرارية الحكم. ربما كان قبول سلام بالتوافق على وزير المالية خطوة مدروسة تمثل نهجه التغييري التراكمي، إذ لم يسعَ إلى القطيعة الكاملة مع شركاء الوطن، خصوصًا الذين راكموا خسائر سياسية داخلية بسبب رهانات إقليمية خاطئة.

تغيير قواعد اللعبة السياسية: لا انتصار ولا هزيمة

في إدارة عملية التشكيل، لجأ سلام إلى تكتيك مزدوج استطاع من خلاله إضعاف منطق الغلبة الذي حكم تشكيل الحكومات السابقة، دون أن يدفع الأطراف الخاسرة إلى المواجهة المباشرة، وهو ما يعكس "واقعية المخضرم" الذي يعرف أن تحقيق التغيير لا يتم عبر كسر التوازنات كليًا، بل عبر تعديلها بحنكة من خلال: (أ) إعطاء القوى السياسية تمثيلًا، دون أن يمنحها القدرة على التحكم بمفاصل الحكومة. وبالتالي فرض حكومة بلا ثلث معطل لأول مرة منذ 2008، ما سحب من يد الأحزاب ورقة التعطيل الفوري؛ و(ب) الاحتفاظ بأكثرية وزارية لرئيس الحكومة، ما جعله لاعبًا رئيسيًا وليس مجرد مدير لجلسات مجلس الوزراء.

ومع ذلك، وقع سلام - ربما عن غير قصد - في منح تمثيل مؤثر لقطاع اقتصادي حيوي، مما قد يشكل اختبارًا حقيقيًا للحكومة، خاصة إذا أدى ذلك إلى تعقيدات غير متوقعة. لكن نجاح حكومة سلام لن يُقاس فقط بتشكيلها، بل بقدرتها على إدارة الملفات الأكثر تعقيدًا بحنكة وفعالية. فإذا استطاعت التعامل مع الأزمات الجوهرية بحزم وعقلانية، فستكون بداية تغيير سياسي حقيقي. أما إذا وقعت في فخ التعطيل، فستكون مجرد حكومة أخرى في سجل الأزمات اللبنانية. ولعل التعطيل يأتي بأشكال ومن قطاعات مختلفة وعلى قضايا - اعتقد الكثيرون أنها موضع تفاهم بين القوى المعارضة (سابقاً).

الملفات الحاسمة: الاختبارات الكبرى لحكومة سلام - الاقتصاد والمالية: بين رؤية المثقف وواقعية رجل الدولة: على اعتبار أن الأزمة اللبنانية ليست مجرد أزمة نقدية، بل انهيار شامل في المنظومة الاقتصادية. سلام، الذي يتمتع بخبرة قانونية ودبلوماسية، عليه أن يعتمد رؤية المثقف الذي يدرك عمق الأزمة، ولكنه في الوقت نفسه يحتاج إلى براغماتية رجل الدولة الذي يعرف كيف يفاوض ويحصل على حلول عملية على مستويين - داخلي وخارجي. ولعل تثبيت والتوافق على الحلول داخلياً سيعتمره بعض الخضات على خلفية أن عدداً لا يُستهان به من الوزراء يمثلون مصالح المصارف باعتبارهم أعضاء مجالس ادارة في عدد منها، مما يجعلهم يواجهون اختبار المفاضلة بين المصالح - مصالح المصارف ومصالح المودعين - وهذا واحد من أهم اختبارات الحكومة. على أن المسار الاصلاحي الذي يتوافق عليه العديد من الخبراء يتطلّب: إعلان حالة طوارئ اقتصادية وفق خطة واضحة ومحددة زمنيًا؛ التفاوض مع صندوق النقد الدولي ببرنامج لبناني، بدل الرضوخ لإملاءاته دون رؤية محلية؛ إعادة هيكلة القطاع المصرفي لضمان استعادة الثقة ووقف النزيف المالي؛ وتوسيع شبكة الأمان الاجتماعي لحماية الفئات الأكثر ضعفًا.

  • العدالة في قضية انفجار المرفأ: اختبار الحزم أمام الحسابات السياسية: إحقاق العدالة في قضية المرفأ سيكون أحد أصعب التحديات أمام الحكومة، لأن بعض القوى السياسية لا تزال تحاول تعطيل التحقيقات. هنا، يحتاج سلام إلى حزم القاضي الذي لذي لا يخضع للضغوط، بل يضمن استقلالية القضاء.

  • القرار 1701: اختبار الديبلوماسي أمام المخاطر المحدقة: تواجه الحكومة استحقاقًا دقيقًا يتمثل في تطبيق اتفاق وقف إطلاق النار والقرار 1701 .إدارة هذا الملف ستتطلب ديبلوماسية دقيقة، حيث لا يمكن للبنان أن يظهر كدولة متراخية في التزاماتها الدولية، لكنه في الوقت نفسه لا يستطيع الدخول في مواجهة مباشرة مع حزب الله، مع العمل على تأمين عودة كريمة للنازحين وإعادة الإعمار.

  • الانتخابات النيابية: اختبار السياسي في استعادة الشرعية السياسية: إذا كانت حكومة سلام تريد أن تكون نقطة تحول حقيقية لشقّ طريق الاصلاح السياسي الحقيقي، فعليها: إعداد قانون انتخابي عصري يقطع مع القوانين المفصلة على قياس القوى التقليدية ويعكس التوازنات الجديدة، بدلًا من القوانين المفصلة على قياس القوى التقليدية؛ وإجراء الانتخابات النيابية في موعدها، لضمان استمرار المسار الديمقراطي ومنح اللبنانيين فرصة لإعادة رسم الخريطة السياسية - على أمل أن تواكب قوى التغيير هذا المسار لتشكيل وتقديم للبنانيين مشروع سياسي بديل - نقيض المشاريع التحاصصية القائمة.

  • العلاقات الخارجية لتحقيق التوازن بين العرب والغرب: اختبار الديبلوماسية: سلام أمام مهمة إعادة تموضع لبنان ديبلوماسيًا، بحيث يعيد الجسور مع الدول العربية، لا سيما الخليج، لضمان الدعم الاقتصادي والسياسي.؛ يحافظ على علاقات متوازنة مع الغرب، بما يضمن عدم عزل لبنان دوليًا؛ ينظم العلاقة مع سوريا، بحيث تكون قائمة على أسس سيادية واضحة تُساهم في ضمان عودة كريمة للنازحين السوريين الى بلادهم واحترام الحدود والسيادة على جانبي الحدود.

هل تكون حكومة نواف سلام بداية التغيير السياسي؟

إن تشكيل حكومة سلام ليس انتصارًا كاملًا للتغيير، لكنه أيضًا ليس هزيمة صريحة للمنظومة (الاستبلشمنت). فهو تمكّن من فرض قواعد جديدة، دون أن يقود انقلابًا شاملاً. نجاحه لن يُقاس فقط بإضعاف الاستبلشمنت، بل بقدرته على تحويل حكومته إلى أداة تنفيذية فاعلة في مواجهة الملفات الأكثر تعقيدًا.

إذا استطاع إدارة الملفات الاقتصادية والمالية والديبلوماسية والقضائية بحنكة، فستكون هذه الحكومة نقطة تحول نحو مرحلة سياسية جديدة .أما إذا فشلت في مواجهة هذه التحديات، فستكون محطة أخرى في تاريخ الأزمات اللبنانية تُعمّق الهوة وتلغي أي مفاعيل للمومنتوم التغييري.

فهل سينجح سلام في الجمع بين براغماتية الدبلوماسي، وحزم القاضي، وتبصّر المثقف، وواقعية المخضرم؟ أم أن التوازنات السياسية والقطاعية ستُفرغ حكومته من مضمونها قبل أن تبدأ؟ الأيام المقبلة وحدها تحمل الجواب.