"يشكّل التمديد للمجلس النيابي في لبنان أكثر من مجرد إجراء ظرفي فرضته الحرب أو تعقيدات تنظيم الانتخابات؛ فهو يعكس مساراً سياسياً أعمق يقوم على تأجيل الاستحقاقات بدل معالجتها. فالعوامل التقنية والأمنية التي كان يمكن أن تبرّر تأجيلاً محدوداً تحوّلت إلى مبرر لتمديد كامل لمدة سنتين، ما يؤدي عملياً إلى تثبيت موازين القوى الحالية واستمرار حالة الشلل السياسي. والأخطر أن التمديد لم يُقرن بأي مسار إصلاحي لمعالجة الخلل في قانون الانتخابات، بل جرى ترحيل النقاش إلى أجل غير منظور، بما يفتح الباب أمام تكرار الأزمة وربما تمديد آخر. وبذلك، لا يقتصر أثر التمديد على تأجيل الانتخابات، بل يمتد إلى تعطيل مسارات العدالة والإصلاح المالي وبسط سيادة الدولة، ما يعمّق مأزق الدولة ويقوّض إمكان استعادة الحد الأدنى من الثقة بالمؤسسات" .
يشكّل التمديد للمجلس النيابي في لبنان أكثر من مجرد إجراء ظرفي فرضته الحرب أو تعقيدات تنظيم الانتخابات؛ فهو يعكس مساراً سياسياً أعمق يقوم على تأجيل الاستحقاقات بدل معالجتها. فالعوامل التقنية والأمنية التي كان يمكن أن تبرّر تأجيلاً محدوداً تحوّلت إلى مبرر لتمديد كامل لمدة سنتين، ما يؤدي عملياً إلى تثبيت موازين القوى الحالية واستمرار حالة الشلل السياسي. والأخطر أن التمديد لم يُقرن بأي مسار إصلاحي لمعالجة الخلل في قانون الانتخابات، بل جرى ترحيل النقاش إلى أجل غير منظور، بما يفتح الباب أمام تكرار الأزمة وربما تمديد آخر. وتنعكس هذه الدينامية مباشرة على ملفات أساسية في البلاد، من استمرار التعثر في مسار العدالة في قضية انفجار مرفأ بيروت، إلى المراوحة في معالجة الفجوة المالية في القطاع المصرفي وإعادة حقوق المودعين، وصولاً إلى التردد في تنفيذ القرارات الحكومية المتعلقة بحصر السلاح بيد الدولة. وبذلك، لا يقتصر أثر التمديد على تأجيل الانتخابات، بل يمتد إلى تعطيل مسارات العدالة والإصلاح المالي وبسط سيادة الدولة، ما يعمّق مأزق الدولة ويقوّض إمكان استعادة الحد الأدنى من الثقة بالمؤسسات.
لم يعد النقاش حول الانتخابات النيابية المقبلة في لبنان مجرد نقاش إجرائي يتعلق بتوقيت الاستحقاق أو بقدرة الدولة على تنظيمه في ظل الظروف الراهنة. فبعد إقرار التمديد للمجلس النيابي، تحوّل هذا القرار إلى محطة سياسية مفصلية تعكس طبيعة الخيارات التي تعتمدها الأفرقاء السياسيين في إدارة النظام السياسي اللبناني. ذلك أن التمديد الذي تم تكريسه لم يأتِ نتيجة ظرف أمني طارئ فحسب، بل هو نتاج مسار سياسي سبق الحرب الحالية وتغذى من خلافات سياسية اتخذت في ظاهرها طابعاً تقنيا.
في الأصل، كان النقاش يدور حول مجموعة من الإشكاليات المرتبطة بقانون الانتخابات وآليات تطبيقه. فقد برزت خلافات بين القوى السياسية حول مسائل تقنية مثل آلية اقتراع المغتربين، وإقرار مشروع الميغاسنتر، إضافة إلى الترتيبات اللوجستية المرتبطة بإجراء الانتخابات في ظل موجات النزوح الداخلية التي شهدها لبنان خلال الأشهر الماضية. هذه المسائل، التي كان من الممكن معالجتها عبر تعديلات تقنية محدودة أو ترتيبات إدارية واضحة، تحولت تدريجياً إلى عامل سياسي إضافي لتعطيل الاستحقاق الانتخابي، قبل أن يأتي الظرف الأمني ليشكل المبرر الأكثر وضوحاً للتمديد.
المفارقة أن هذه العوامل التقنية والأمنية كان يمكن أن تؤدي إلى تمديد محدود ومضبوط زمنياً يهدف إلى معالجة الإشكالات التنظيمية المرتبطة بإجراء الانتخابات. غير أن ما حصل فعلياً هو اعتماد تمديد كامل لمدة سنتين، وهو ما يتجاوز بكثير الحد الأدنى المطلوب لمعالجة تلك الإشكالات. بهذا المعنى، لم يعد التمديد مجرد إجراء استثنائي مؤقت، بل تحول إلى خيار سياسي يعكس رغبة ضمنية في تثبيت موازين القوى القائمة داخل المجلس النيابي. كما أن اختزال النقاش في مسألة التصويت داخل المجلس النياب (نعم أو لا على التمديد) يشكل تبسيطاً مضللاً للمشكلة. فالتمديد ليس خطوة معزولة يمكن تبريرها في سياق إداري أو أمني ضيق، بل هو جزء من مسار سياسي يعكس استمرار الممارسة السياسية القائمة . والتصويت لصالحه يعني عملياً تبني هذا الخيار السياسي، بكل ما يحمله من تداعيات على مستقبل الحياة الديمقراطية في لبنان.
مستوى النقاش السياسي والسياساتي.
أحد أبرز انعكاسات هذا القرار يتمثل في استمرار موازين القوى الحالية داخل البرلمان .فالمجلس النيابي الحالي، الذي عكس توازنات سياسية نشأت بعد انتخابات 2022، سيبقى قائماً بذات التركيبة لفترة إضافية طويلة - نصف ولاية المجلس المُمدّد لنفسه. وهذا يعني عملياً استمرار حالة التفشيل السياسي المتبادل بين القوى المختلفة، واستمرار العجز عن إنتاج إصلاحات جوهرية في الملفات الاقتصادية والإدارية والمالية التي يواجهها لبنان.
لكن المشكلة الأعمق تكمن في الطريقة التي تم بها التعامل مع الأسباب التقنية التي استُحضرت لتبرير التمديد. فبدلاً من وضع التمديد في سياق سياسي واضح يهدف إلى معالجة الخلل القائم في قانون الانتخابات، جرى ترحيل النقاش حول هذه الإصلاحات إلى أجل غير منظور . بمعنى آخر، لم يُقرن قرار التمديد بأي مسار سياسي أو تشريعي واضح لمعالجة المسائل التي قيل إنها تعيق إجراء الانتخابات.
هذا الترحيل للنقاش يحمل في طياته مخاطر دستورية وسياسية جدية. فعندما يتم تمديد ولاية مجلس نيابي من دون تحديد مسار واضح لمعالجة الأسباب التي أدت إلى هذا القرار، يصبح من الممكن إعادة إنتاج الذريعة نفسها في المستقبل. أي أن التمديد الحالي قد يؤسس عملياً لإمكانية تمديد آخر، سواء بحجة استمرار الظروف الأمنية أو استمرار الخلافات التقنية حول القانون الانتخابي.
ولا تقتصر تداعيات هذا القرار على المسار الانتخابي بحد ذاته، بل تمتد إلى ملفات سياسية وقضائية واقتصادية أساسية ما زالت عالقة منذ سنوات. فاستمرار المجلس النيابي بالتركيبة الحالية يعني عملياً استمرار التباطؤ في مسار العدالة في قضية انفجار مرفأ بيروت، حيث لم تتمكن المؤسسات السياسية حتى الآن من توفير الغطاء اللازم لرفع العراقيل عن التحقيق القضائي. كما أن بقاء التوازنات السياسية نفسها ينعكس مباشرة على إدارة الفجوة المالية في القطاع المصرفي، وعلى مسار إعادة الحقوق إلى أصحاب الودائع، وهو ملف لا يزال عالقاً بين مشاريع قوانين غير مكتملة وتسويات سياسية مترددة. كذلك، فإن استمرار المشهد السياسي ذاته قد يكرّس حالة التردد في تنفيذ القرارات الحكومية المتعلقة بحصر السلاح بيد الدولة، ومن بينها القرار الأخير القاضي بوقف أي دور عسكري أو أمني لحزب اللّٰه خارج إطار الدولة. وفي ظل مجلس نيابي عاجز عن إنتاج توازن سياسي جديد، تبقى هذه الملفات عرضة للتأجيل والمماطلة، ما يعمّق أزمة الدولة ويؤجل معالجة القضايا الأكثر إلحاحاً في البلاد.
بهذا المعنى، قد يجد لبنان نفسه مرة أخرى أمام مأزق دستوري جديد، حيث يتحول التمديد من استثناء مؤقت إلى أداة لإدارة النظام السياسي. وإذا ما ترسخ هذا النهج، فإن مبادئ أساسية للنظام الديمقراطي سيصبح عرضة للتاكل التدريجي.
إن الخروج من هذا المازق يتطلب إعادة وضع النقاش في إطاره السياسي الصحيح. فالتمديد، إذا كان لا بد منه في ظل الظروف الراهنة، يجب أن يكون جزءاً من مسار واضح ومحدد زمنياً يهدف إلى معالجة الثغرات في القانون الانتخابي وإقرار الإصلاحات الضرورية لإجراء الانتخابات في أقرب وقت ممكن. أما تحويله إلى قرار مفتوح من دون مسار إصلاحي واضح، فهو لا يعني سوى تأجيل الأزمة السياسية والدستورية إلى مرحلة لاحقة. وهنا تقع مسؤولية خاصة على رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة في هذا السياق، نظراً لما يمتلكانه من صلاحيات دستورية وسياسية تتيح لهما الدفع باتجاه مسار إصلاحي يعيد الاعتبار لمبدأ الانتخابات الدورية. فالدفاع عن هذا المبدأ لا يتعلق فقط بإجراء انتخابات في موعدها، بل بحماية الحقوق السياسية والدستورية للمواطنين.
لقد التمديد للمجلس النيابي قد أصبح واقعاً سياسياً. لكن السؤال الأهم لم يعد يتعلق بقرار التمديد بحد ذاته، بل بالمسار الذي سيليه. فإذا تحول التمديد إلى مجرد وسيلة لتأجيل النقاش السياسي حول الإصلاحات المطلوبة، فإن لبنان سيكون قد دخل مرحلة جديدة من إدارة الأزمات عبر تأجيلها. أما إذا جرى التعامل معه بوصفه مرحلة انتقالية محدودة تهدف إلى معالجة الخلل القائم في النظام الانتخابي، فقد يشكل ذلك فرصة لإعادة إطلاق مسار إصلاحي يعيد الاعتبار لمبدأ تداول السلطة وتجديد الشرعية الديمقراطية.
وبين هذين المسارين يتحدد مستقبل الحياة السياسية في لبنان: إما الاستمرار في إدارة الفشل عبر التمديد وتأجيل الاستحقاقات، أو إعادة فتح المجال السياسي أمام تجديد الشرعية الشعبية وبناء مسار إصلاحي حقيقي - ولو تحت وطأة القصف الجوي.