رغم ما سبق أن عبّرت عنه من تحفّظات حول السياق المشوّه الذي يُدفع من خلاله نحو إنجاز الاستحقاق البلدي في لبنان، لا سيّما في طرابلس، يبدو أننا دخلنا فعليًا المرحلة ما قبل الأخيرة من هذا المسار، وبتنا أقرب إلى لحظة الحسم الانتخابي في مدينة مثقلة بأزماتها، وقانون مفرّغ من الإصلاحات الجوهرية، وتغيب عنها البرامج والمقومات التي تعبّر عن إرادة الناس وتستجيب لتطلعاتهم،

وإن كان لا بد من خوض هذا الاستحقاق رغم كل العوائق، فإن ما يثير القلق اليوم ليس فقط الإصرار على إجرائه وسط هذا الخلل، بل الخطاب المتزايد الذي يكرّس "التوافق" كبديل أوحد للديمقراطية. أصبح هناك شبه هوس جماعي في بعض الأوساط المدنية بلائحة واحدة "توافقية"، وكأن التعددية باتت مرادفة للفوضى والانقسام، وكأن الانتخابات لا تكون "شرعية" إلا إذا تم التفاهم على كل شيء سلفاً. وكأنّ الديمقراطية لا تصحّ إلاّ إذا كانت توافقية!

المفارقة المؤلمة أن هذه الدعوات تصدر غالبًا عن ناشطين مدنيين كانوا حتى الأمس القريب يرفعون راية التغيير، فإذا بهم اليوم يتوجّسون من التعددية، ويخشون التنافس، ويطمئنون اكثر إلى توافق هشّ، طالما بدا في ظاهره مدنيًا. هذا التوجس، القادم من قلب "الحيّز المدني"، يضرب جوهر العملية الانتخابية من أساسها، ويجعل من التوافق (حتى ولو كان شكليًا) قيمة تعلو على التنافس الحر. اللافت ايضاً أن بعضهم عبّر صراحة عن خيبة أمله من "غياب وضوح موقف القوى السياسية" من الاستحقاق، وكأنه (عن قصد أو دون قصد) كان يأمل بتدخّل سياسي يعيد خلط الأوراق ويكرّس توازنات معينة، ليعود لاحقًّا وينتقد التدخل السياسي باسم "استقلالية المجتمع المدني!" ما يغيب عن هذا الخطاب هو أن الانتخابات البلدية في لبنان لا تجري على قاعدة النسبية واللوائح المقفلة، بل على أساس الأكثرية الفردية، مع حرية التشطيب والانتقاء، ما يمنح الناخب، إن أراد، فرصة لتجاوز الاصطفافات التقليدية واختيار الأفراد الانسب بغض النظر عن اللوائح التي ينتمون إليها. وبالتالي، فإن تعدد اللوائح لا يعني التشرذم، بل يفتح مساحة للفرز التمثيلي الأوسع، وقد يؤدي فعليًا إلى وصول شخصيات مستقلّة أو فاعلة من خارج اللوائح "المعلّبة" إلى المجالس البلدية.

ثمّة افتراض مغلوط يُكرّس بين الناس، وهو أن التنافس بين اللوائح سيؤدي تلقائيًا إلى شلل داخل المجلس. لكن واقع الحال يُظهر أن مشكلة التعاون داخل المجالس ليست ناجمة عن التنافس والرؤى بحد ذاتها، بل عن غياب الفهم الحقيقي للشان البلدي، وانعدام لبرامج، وعدم دراية معظم المرشحين بمعوقات العمل البلدي. كما أنّ الصراع الحقيقي لم يكن يومًا حول الرؤى، بل كان، ولا يزال، حول موقع رئاسة المجلس - والكل يطمح اليه. ومع تعدد اللوائح، تأجلت هذه معركة الرئاسة إلى ما بعد الانتخابات، حين تبدأ عمليات "التفاهمات" لاختيار الرئيس. وهنا بالتحديد، يتعاظم خطر التدخلات السياسية التي ستسعى لضبط التوازنات الهشة عبر فرض تسوية على اسم الرئيس، ما يُقوّض مرة أخرى استقلالية القرار المحلي. فكيف يتحضّر الفاعلون المدنيون لهذا السيناريو؟

صحيح أن التوافق قد يكون مطلوبًا في سياقات حساسة لتفادي الانقسام المجتمعي، لكنه يفقد قيمته عندما يُبنى على ترضيات بين مرشحين بلا برامج أو قاعدة شعبية تنهض بها، أو بين مجموعات تبحث عن مكاسب وأخرى تسعى الى الرهان على بعض الإنجازات هنا وهناك. ما كنّا نراه من عمل دؤوب لضمان التوافق، يُقدَّم باسم المدنية والمصلحة العامة، لم يكن في الحقيقة - وعن غفلة القيّمين عليه - إلا أداة تُعيد إنتاج نوع من السلطة التقليدية بثوب مدني.

طرابلس اليوم تحتاج إلى مساحة تعددية مفتوحة، تسمح للمواطن بأن يختار، ويحاسب، ويقرر - وهنا لبّ الموضوع. فالمعركة الحقيقية لم تكن يومًا في توحيد اللوائح، بل في ضمان أن تكون تلك اللوائح، سواء تعددت أو توحّدت، قائمة على مشروع واضح، وخطة قابلة للتنفيذ، وآلية مساءلة مستقبلية. وقد خسرنا هذه الجولة - فلنعترف بذلك بشجاعة ومسؤولية. لكن الجولات القادمة تبدأ من الآن، من خلال قدرة الناشطين على إطلاق مسار مبكّر لمواكبة العمل البلدي، ورصد أداء المجلس ورئيسه، ومحاسبتهم عند كل مفترق واستحقاق. فهذا وحده ما يكرس العمل المدني الديمقراطي المسؤول .

المسؤولية المدنية لا تُختزل في مبادرة ظرفية، ولا يُقاس الالتزام بالشأن العام بمدى الحماسة لحظة الانتخابات. فالانخراط في العمل العام ليس موسميا، بل ممارسة تراكميّة، منتظمة، ودائمة. هل يملك الفاعلون المدنيون في طرابلس القدرة والإرادة لتحويل هذه اللحظة الانتخابية إلى مسار رقابي؟ عسى أن نكسب الجولات القادمة.