في الواقع اللبناني الحالي، لا يمكن فهم الحرب الدائرة إلا بوضعها ضمن إطارها الحقيقي: لبنان ليس طرفاً مقرراً في هذه الحرب بقدر ما هو مساحة تتقاطع فوقها استراتيجيتان عسكريتان واضحتان. الأولى هي العقيدة الأمنية الإسرائيلية القائمة على الردع عبر التفوق والتدمير الاستباقي، والتي تهدف إلى منع تشكل أي تهديد مستقبلي على حدودها الشمالية في محاولة لفرض واقع أمني جديد بالقوة، بغض النظر عن الكلفة الإنسانية أو استقرار الدولة اللبنانية، ولو عبر تدمير البيئة التي ينتج منها هذا التهديد. أما الثانية فهي عقيدة "الدفاع الأمامي" الإيرانية، التي تقوم على استخدام فاعلين مجموعات مسلحة، وعلى رأسهم حزب الله، الذي يقاتل كجزء من شبكة الردع الإقليمي الإيراني ضد إسرائيل والولايات المتحدة، وليس ضمن استراتيجية دفاع وطني يقررها اللبنانيون أو مؤسسات دولتهم. وبين هذين المشروعين، يبقى لبنان ساحة، لا صاحب قرار.
المشكلة الأساسية أن لبنان كدولة لا يملك السيطرة على أي من هاتين العقيدتين، رغم أنه يتحمل كلفة تطبيقهما على أرضه. فإسرائيل لا تقاتل من أجل لبنان، بل من أجل أمنها. وإيران لا تدعم حزب الله من أجل الدولة اللبنانية، بل من أجل استراتيجيتها الإقليمية. وفي هذا التوازن، يصبح لبنان فعلياً ساحة تفاعل بين استراتيجيتين، لا لاعباً مستقلاً. وهذه هي الأطروحة المركزية لهذا التحليل: الحرب الحالية لا يمكن أن تنتج انتصاراً لبنانياً لأنها ليست حرب لبنان، بل حرب تدور فوقه. تقود هذه الواقعية إلى نتيجة واحدة: لا أحد قادر على الحسم، لكن الجميع قادر على زيادة الكلفة على لبنان. ولهذا السبب تحديداً، يصبح وقف إطلاق النار الخيار الأكثر ترجيحاً، ليس لأنه حل سياسي، بل لأنه نتيجة وصول جميع الأطراف إلى حدود قدرتها على تغيير الواقع العسكري. أي أنه سيكون نتيجة توازن عجز، لا توازن قوة. ما يعزز هذا الاستنتاج أن ميزان القوة لا يسمح بحسم. إسرائيل تستطيع تدمير، لكنها لا تستطيع إنهاء حزب الله. فهي تمتلك تفوقاً عسكرياً يسمح لها بتدمير واسع للبنية التحتية اللبنانية وفرض ضغط عسكري كبير على حزب الله وبيئته، لكنها لا تستطيع القضاء نهائياً على تنظيم عقائدي يمتلك بنية عسكرية لامركزية وخبرة طويلة في الحروب غير المتكافئة. وفي المقابل، يستطيع حزب الله الاستمرار في إطلاق الصواريخ وإثبات أنه لم يُهزم عسكرياً، لكنه لا يستطيع هزيمة إسرائيل أو فرض معادلة ردع كاملة تمنعها من العمل العسكري داخل لبنان. بينما لا تستطيع الدولة اللبنانية فرض احتكار السلاح، والمجتمع الدولي لا يملك الإرادة لإعادة بناء توازن داخلي بالقوة. وهذه ليست معادلة انتصار، بل معادلة انسداد استراتيجي.
وهذا يقود إلى حقيقة أساسية: هذه ليست حرباً يمكن أن ينتصر فيها لبنان، لأنها ليست حرب الدولة اللبنانية أصلاً. إنها مواجهة بين إسرائيل وحزب الله، بينما الدولة اللبنانية ضعيفة وغير قادرة على فرض سيادتها أو منع الحرب أو حتى تحديد شروط إنهائها. وهذه بحد ذاتها أزمة سيادية قبل أن تكون أزمة عسكرية. في هذا السياق، يصبح النقاش حول "من انتصر" نقاشاً مضللاً. إسرائيل ستعتبر أنها نجحت إذا رفعت كلفة التهديد من لبنان ومنعت تكرار نموذج 7 أكتوبر على حدودها الشمالية. حزب الله سيعتبر أنه انتصر إذا استمر في القتال ولم يُكسر عسكرياً. أما إيران فستقيس النتائج بمدى قدرة حزب الله على البقاء كجزء من شبكة الردع الإقليمية التي تديرها. لكن السؤال الذي لا يطرحه أي من هؤلاء هو: ماذا ربح لبنان نفسه؟
فالمعيار اللبناني الوحيد المنطقي هو حجم الكلفة مقابل أي نتيجة سياسية. وإذا كانت النتيجة دماراً واسعاً، ومزيداً من الانهيار الاقتصادي، وضغطاً إضافياً على مؤسسات الدولة، وتوتراً اجتماعياً داخلياً، فإن النقاش لا يجب أن يكون حول من صمد، بل حول ما إذا كان لبنان نفسه يخسر كدولة. وإذا كان نموذج غزة قد أظهر أن إسرائيل تعتمد نمطاً يقوم على التدمير أولاً ثم التفاوض لاحقاً، فإن الخطر الحقيقي هو أن يتكرر السيناريو نفسه في لبنان: حرب تدميرية تنتهي بوقف إطلاق نار بعد استنفاد الأهداف العسكرية الممكنة. وهذا ما يجعل وقف إطلاق النار في مثل هذه الحروب ليس خياراً سياسياً بقدر ما هو نتيجة طبيعية لوصول العمليات العسكرية إلى سقف فعاليتها. عند النظر إلى الخيارات الواقعية، يتبين أن البدائل عن وقف إطلاق النار محدودة.
الخيار الأول هو استمرار الحرب الواسعة. هذا يعني أن تواصل إسرائيل عملياتها العسكرية لتدمير أكبر قدر ممكن من قدرات حزب الله، وربما محاولة فرض منطقة عازلة في الجنوب. لكن التجارب من جنوب لبنان إلى غزة أثبتت أن تدمير القدرات العسكرية لا يؤدي بالضرورة إلى إنهاء التنظيمات العقائدية، بل غالباً ما يؤدي إلى إعادة تشكيلها. كما أن هذا الخيار يحمل كلفة بشرية وسياسية كبيرة.
الخيار الثاني هو استراتيجية حزب الله القائمة على الصمود العسكري لإجبار إسرائيل على الطلب بوقف إطلاق النار. هذه الاستراتيجية لا تقوم على الانتصار العسكري، بل على منطق معروف في الحروب غير المتكافئة: عدم الهزيمة. مجرد أن تطالب إسرائيل بوقف إطلاق للنار وبقاء الحزب قادراً على إطلاق الصواريخ بعد الضربات الإسرائيلية سيُستخدم داخلياً لتأكيد استمرارية دوره. وهذا مهم سياسياً للحزب، لأن شرعيته داخل بيئته الشيعية بُنيت تاريخياً على فكرة أنه البديل عن ضعف الدولة في مواجهة إسرائيل. لكن هذه المعادلة نفسها تحمل مشكلة داخلية متزايدة. فجزء كبير من اللبنانيين لم يعد يرى سلاح حزب الله فقط كأداة ردع، بل كعامل جرّ لبنان إلى صراعات إقليمية لا يملك قرارها. وهذا ما يعمّق الانقسام الداخلي حول دور الحزب، ويجعل أي "صمود عسكري" أقل قدرة على إعادة إنتاج شرعيته.
الخيار الثالث هو العودة إلى نموذج الردع المتبادل غير المعلن الذي ساد بعد حرب 2006. أي اشتباكات محدودة دون اتفاق رسمي. لكن هذا النموذج كان قائماً على توازن هش من الردع وقواعد اشتباك واضحة وثقة نسبية بالخطوط الحمراء، وهو توازن تضرر بشدة بعد حرب غزة والتصعيد الحالي. كما أن التوافق الداخلي اللبناني حول دور حزب الله تراجع بشكل واضح، ما يجعل إعادة إنتاج هذا النموذج أصعب. أما خيار التسوية الشاملة، التي تشمل ترتيبات أمنية جديدة، ودوراً أكبر للجيش اللبناني، وضمانات دولية، فهو نظرياً الخيار الأكثر استقراراً، لكنه الأقل واقعية حالياً لأنه يتطلب توافقاً إيرانياً-أميركياً وإسرائيلياً-لبنانياً غير متوفر في هذه المرحلة.
عند جمع هذه الخيارات، تصبح الصورة أوضح: لا يوجد خيار بديل يقدم نتيجة أفضل بكلفة أقل. كل الخيارات الأخرى تعني حرباً أطول، أو دماراً أكبر، أو استنزافاً مستمراً، دون ضمان نتائج مختلفة جذرياً. لهذا السبب، يصبح وقف إطلاق النار الخيار الأكثر احتمالاً، ليس لأنه يمثل حلاً للصراع، بل لأنه يعكس حدود القدرة على الاستمرار فيه: هو نقطة التقاء عجز متبادل، لا نتيجة اتفاق استراتيجي.
لكن المشكلة تكمن في مَن سيُدير عملية التفاوض هذه المرة؟ على أي قاعدة؟ وماهي ضمانات إنفاذه على جميع الأطراف؟ إذ أنّ وقف إطلاق النار لن يحلّ المعضلة اللبنانية الأساسية: وجود سلاح خارج الدولة، ودولة غير قادرة على احتكار قرار الحرب، وحزب لا يستطيع أن يصبح دولة، ودولة لا تستطيع أن تتجاهل وجوده، رغم قرارها بحظره. وقد تكون أخطر نتائج الحرب ليست عسكرية، بل اجتماعية. فالتوتر بين البيئات اللبنانية، والنزوح الداخلي، والضغط الاقتصادي، قد يخلق احتكاكات اجتماعية طويلة الأمد. بيئة حزب الله ستشعر أنها دفعت الثمن، بينما ترى بيئات أخرى أنها دفعت ثمن قرارات لم تشارك فيها. وهذه ديناميكية خطيرة لأنها تنقل الصراع من الجبهة السياسية إلى جبهات مجتمعية، بدأت تتبلور.
في النهاية، قد يتمكن كل طرف من الادعاء أنه لم يُهزم. إسرائيل ستقول إنها أعادت الردع. حزب الله سيقول إنه صمد. لكن السؤال الحقيقي سيبقى مختلفاً: هل خرجت الدولة اللبنانية أقوى أم أضعف؟ الجواب الواقعي قد يكون أن الجميع قد يخرجون بسرديات انتصارهم، بينما يخرج لبنان نفسه أكثر هشاشة. ولهذا، قد لا يكون وقف إطلاق النار بداية حلّ للأزمة الداخلية، بل بداية مرحلة إدارة طويلة لها.
الخلاصة الأكثر واقعية هي أنّ وقف إطلاق النار ليس حلاً في الحالة اللبنانية، بل مجرد اعتراف بأن الحرب لم تعد قادرة على الحسم أو الانتصار، بل فقط على زيادة الكلفة.