في ظل الشغور الرئاسي الممتد بعد انتهاء ولاية الرئيس ميشال عون، وتحوّل حكومة الرئيس نجيب ميقاتي إلى تصريف الأعمال، مما حدّ من قدرتها على اتخاذ قرارات سيادية، برز، كما جرت العادة، رئيس البرلمان اللبناني الرئيس نبيه بري كصاحب القرار الفعلي في السياسة اللبنانية، متقدماً لقيادة المفاوضات حول وقف الأعمال العدائية على خلفية حرب إسناد غزة، التي خاضها حزب الله، والتي أفضت الى توقيع اتفاق وقف اطلاق النار في 27 نوفمبر 2024. لعب برّي دورًا محوريًا، ممثلًا الدولة اللبنانية في غياب رئيس الجمهورية، لكنه في الوقت ذاته كان المتحدث المُكلّف باسم حزب اللّٰه - حيث نجح في تأمين خروج الحزب من المواجهة العسكرية بعد تكبّده خسائر كبيرة دون أن يظهر خاضعاً لضغوط خارجية مباشرة. غير أن التداخل في الأدوار والتعدّد في الصفات التمثيلية للرئيس برّي جعلا من دوره ومسؤوليته موضع التباس أمام كثير من اللبنانيين. يُثير هذا الاتفاق تساؤلات حول شرعية تولي بري التفاوض باسم لبنان دون تفويض رسمي واضح، فضلًا عن تداعياته على مستقبل العلاقة بين حزب اللّٰه والدولة اللبنانية. فبرّي بدا كمنسق لمصالح على عدة مستويات: داخليًا، من خلال مواءمة مصالح الثنائية الشيعية مع المصالح الرسمية للدولة اللبنانية؛ وخارجيًا، عبر تقديم نفسه كوسيط بين لبنان والوسطاء الدوليين - وفي الحالتين، لم يكن محايدًا، بل كان جزءًا من معادلة سياسية تكرّس نفوذه،

من حيث الشكل والآلية، فقد مثلّت هذه المفاوضات انتهاكًا لمبدأ فصل السلطات، إذ جمع بري بين أدوار السلطة التشريعية والتنفيذية، مكرسًا بذلك عرفًا جديدًا في السياسة اللبنانية يسمح لرئيس البرلمان بإدارة ملفات حكومية وأمنية كبرى خارج الأطر الدستورية، طاعناً بمؤسستها إذ لم يتم إطلاع البرلمان على حيثيات الاتفاق إلا بعد توقيعه، ومُتنصّلاً من أي آلية مساءلة ديمقراطية. من حيث المضمون، وافق الرئيس برّي على اتفاق يحمل في جوهره بنودًا تمسّ بسيادة لبنان، عبر فرض ترتيبات أمنية جديدة، أبرزها تعزيز ضبط الحدود ونزع سلاح المجموعات غير الشرعيّة، دون ضمانات فعليّة تُلزم إسرائيل بوقف اعتداءاتها أو تضمن عدم انتهاك الأجواء اللبنانية. .كما فرض الاتفاق آلية لتطبيقه بإشراف دولي، مما عزز النفوذ الأميركي في لبنان عبر منحه صلاحيات رقابية غير منصوص عليها في القرار 1701، وهو ما يُعدّ مسّاً جوهريًا بالسيادة اللبنانية . فبينما بدا الاتفاق ضروريًا لضمان وقف إطلاق النار واستكمال الانسحاب الإسرائيلي، إلا أن نتائجه تضمنت إضعاف موقع حزب اللّٰه داخليًا، وفرض قيود على سلاحه بدءًا من الليطاني، وهو ما يجعل الرئيس برّي مسؤولًا بالكامل عن تبعات الاتفاق، سواء بالتنسيق مع الحزب أو اعتمادًا على "مونته" عليه باعتباره "الأخ الأكبر" في إطار الثنائية السياسية الشيعية.

إلاّ أنّه ورغم الجدل حول الاتفاق، خرج برّي من هذه المفاوضات أكثر قوة على الساحتين الدولية والمحلّية. حيث كرّس موقعه كلاعب أساسي في أي مفاوضات مستقبلية تتعلق بالوضع الأمني في لبنان .أما في الداخل، فقد عزّز موقعه كالمرجعية الأولى في ملف إعادة إعمار الجنوب وأية تسويات أمنية أو عسكرية أخرى، والضّامن لاستمرار الثنائية السياسية الشيعية، بل أيضًا كحام لموقع الحزب، مانعًا من تراكم خسائره السياسية داخليًا. وقد ظهر ذلك جليّاً في مسار تشكيل الحكومة وكأنه "كفّارة" عن أخطاء لم تكن محسوبة، ولكنه لم يجدّ مفّراً منها. كما استكمل قطف المكاسب السياسية من خلال تجنّب تحمل المسؤولية لما آلت اليه الأمور إدراكًا منه لما يمكن أن يؤدي ذلك إلى تصدّع داخل الثنائية الشيعية، خصوصًا بعدما أدرك الحزب ومناصروه أن الاتفاق يُستخدم للحد من نفوذه السياسي والخدماتي بالاضافة للعسكري. وفي سبيل ذلك، خرجت الماكينة الإعلامية والسياسية مُتغافلةً عن المسؤول الموجِب مُساءلته (الأخ الأكبر) صائغةً سرديّة مُتخيلة تقوم على تسعير فكرة "المظلومية" عبر خلق عدو داخلي لشحن الجمهور وتصوير المرحلة على أنها مؤامرة تُدار من داخل المؤسسات اللبنانية ضد الحزب وبيئته، في استكمال لما يُروج له عن "المؤامرة الخارجية". وتسوق هذه الحملو جملة من الافتراءات مُحمّلةً العهد الجديد والحكومة المُسمّاة حديثاً، والتي بالكاد تسلّمت مهامها، مسؤولية "الإذعان" للقرار الأميركي و"الاستباحة" الإسرائيلية. فما زالت الحملة الإعلامية مُستمرةً مُستهدفةً العهد والحكومة بشخص رئيسيها، تحت عناوين سياديّة محقّة ولكن بالاتجاه الخظأ، إذ أنّ أياً منهما لم يكن في موقع المسؤولية عند توقيع الاتّفاق. لكن الاستمرار في هكذا سردية ليس فقط تضليلًا، بل أيضًا إقرار ضمني بعدم القدرة على مواجهة الحقيقة. فمن غير المنطقي القبول بأن حزب اللّٰه فوجئ بتبعات الاتفاق، بما في ذلك وضع لبنان تحت إشراف أميركي مباشر، بينما كان شريكًا في المفاوضات وقَبِلَ به عبر الرئيس برّي. إذ لم يرفض بري الاتفاق عند توقيعه، بل مرّره ومنحه الشرعية الدولية عبر موقعه الرسمي. وكذلك لم يعترض الحزب ولا مناصريه على التنفيذ، بل انتظر حتى بدأت تتكشف آثاره، ليبدأ لاحقًا بتوجيه الهجوم على شخصيات حكومية لا علاقة لها بالقرار. في هذه الأثناء، لا يزال الأخ الأكبر جزءًا من تنفيذ الاتفاق، مستمرًا في التعاون مع الوسطاء الدوليين عبر الآلية المعتمدة، مما يُحوّل أي حديث عن رفض الاتفاق الى خطوة ذات أبعاد سياسية تهدف إلى محاولة استعادة ثقة القاعدة الشعبية بالحزب والثنائية (التي بدأت مظاهر تصدّعها تتكشّف على خلفية المواقف المتباينة بين الطرفين ابان التحركات الشعبية على طريق المطار)، وربما أيضًا لتقويض الانطلاقة الحكومية الإصلاحية (بتحفّظ حتى الآن) بعد فشل محاولات عرقلة تشكيلها.

بدلًا من الاعتراف بأن ما يجري اليوم هو نتيجة مباشرة لاتفاق كان الحزب طرفًا فيه، وبدلًا من تحمّل المسؤولية السياسية عن التنازلات التي قُدّمت في المفاوضات عبر الرئيس برّي، فضّل الحزب - بتواطؤ مع شريكه في الثنائية - اللجوء إلى حملة تضليلية تهدف إلى جعل الحكومة الحالية كبش فداء. في المقابل، بقي برّي بمنأى عن أي نقد، رغم أنه كان المهندس الرئيسي للاتفاق الذي فرض هذه الترتيبات.

من الشجاعة الاعتراف بأن من يتحمل مسؤولية الاتفاق هو من صنعه، وليس من وجد نفسه مُجبراً على تنفيذه. وإذا كان اتفاق 27 نوفمبر 2024 قد أدخل لبنان في مرحلة جديدة من الوصاية الدولية (الأميركية الاستباحة" الإسرائيلية)، فإن المسؤولية تقع بالكامل على من فاوض عليه ووقّعه، وليس على من ورثه بحكم المسؤولية الوطنية التي أنيطت به... فاسألوا الأخ الأكبر!